بقلم: وحدة الدراسات الاقتصادية في دهبنا
في ظل الارتفاعات الجنونية لأسعار الذهب، وانتقال الأونصة من مستويات 3000 دولار في مطلع 2025 إلى ما يقارب 4200-4500 دولار في 2026، يطرح المستثمر والمزكي السؤال الأهم: هل القيمة الحقيقية للزكاة تتآكل بفعل التضخم؟ أم أن الذهب يعيد التوازن للمعادلة؟
للإجابة، يجب أن نخرج من “الوهم النقدي” (Monetary Illusion) وننظر إلى الأرقام المجردة.
1. المعضلة: الزكاة في زمن “العملات الورقية”
لو افترضنا أن تاجراً يحتفظ بثروته “كاش” (عملة ورقية). التضخم العالمي (ارتفاع أسعار الغذاء، الطاقة، الخدمات) يعني أن الـ 100 دولار اليوم تشتري سلعاً أقل مما كانت تشتريه العام الماضي.
- السيناريو: إذا زكيت على أموال نقدية لم تنمُ، فإن القوة الشرائية لمبلغ الزكاة الذي سيصل للفقير قد تكون أقل فعلياً، لأن التضخم “أكل” قيمة العملة.
2. الحل الإلهي: معيار الذهب (The Gold Standard of Zakat)
الشريعة الإسلامية ربطت “النصاب” (الحد الأدنى للزكاة) بالذهب (85 جراماً) والفضة. وهنا تكمن العبقرية الاقتصادية. الذهب تاريخياً هو “التحوط ضد التضخم”. عندما ترتفع أسعار السلع، يرتفع الذهب غالباً بنسبة أكبر أو موازية، مما يعني أن قيمة الزكاة ترتفع تلقائياً.
3. لغة الأرقام: مقارنة بين زكاة 2025 وزكاة 2026
دعونا نطبق الحسابات على السيناريو الواقعي الذي شهدناه مؤخراً:
- فرضية المحفظة: شخص يملك مدخرات تعادل 100 جرام ذهب (سواء كانت سبائك أو ما يعادلها نقداً مربوطاً بالذهب).
الحالة أ: في عام 2025 (بداية العام)
- سعر الأونصة التقريبي: 3,000 دولار.
- سعر الجرام (عيار 24): ~96.5 دولار.
- قيمة الثروة (100 جرام): 9,650 دولار.
- قيمة الزكاة المستحقة (2.5%): 241.25 دولار. (هذا المبلغ كان يكفي لشراء سلة غذائية معينة للفقير).
الحالة ب: في عام 2026 (الوضع الحالي)
- سعر الأونصة التقريبي: 4,200 دولار (ارتفاع بـ 40%).
- سعر الجرام (عيار 24): ~135 دولار.
- قيمة الثروة (100 جرام): 13,500 دولار.
- قيمة الزكاة المستحقة (2.5%): 337.5 دولار.
4. التحليل: من الرابح؟
لاحظ الفرق: مبلغ الزكاة ارتفع من 241 دولار إلى 337 دولار.
- الزيادة في مبلغ الزكاة = +40%.
- هل التضخم في أسعار الغذاء والسلع زاد بنسبة 40%؟ غالباً التضخم في السلع الأساسية يتراوح بين 5% إلى 10%.
النتيجة الصادمة: لأن الذهب قفز بقوة، فإن “القوة الشرائية” لمبلغ الزكاة الذي استلمه الفقير هذا العام زادت فعلياً ولم تنقص. الذهب لم يحمِ مال الغني فقط، بل ضاعف منفعة الفقير. لو كانت الزكاة مرتبطة بالعملة الورقية المتآكلة، لكان الفقير هو الضحية. لكن ربط الزكاة بالذهب جعل “حق الفقير” ينمو بالتوازي مع غلاء المعيشة، بل ويتفوق عليه.
خلاصة دهبنا
التضخم لا يأكل الزكاة إذا كانت الأصول مقومة بالذهب. النظام المالي الإسلامي صمم آلية “حماية ذاتية” (Auto-Correction). ارتفاع أسعار الذهب ليس مجرد أرقام على الشاشة؛ هو آلية لضمان أن المال الذي يخرج للفقراء اليوم، قادر على مواجهة غلاء الأسعار غداً. فسبحان من جعل في هذا المعدن “قياماً للناس” وحفظاً لحقوقهم.



