شهدت الأسواق المالية العالمية خلال الأسبوع الأول من يوليو 2026 تحولاً ملحوظاً في تسعير المخاطر، مدفوعاً بظهور مؤشرات إيجابية بشأن تقدم المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في الدوحة، الأمر الذي أدى إلى تراجع أسعار النفط وانخفاض علاوة المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز.
ورغم تراجع التوترات الجيوسياسية، حافظ الذهب على اتجاهه الصاعد، في سلوك يعكس انتقال مركز الثقل من المخاطر الجيوسياسية إلى المخاطر الاقتصادية والمالية المرتبطة بالاقتصاد الأمريكي.
العوامل الأساسية الداعمة للذهب
لماذا لم يتراجع الذهب رغم انخفاض التوترات؟
يرتبط استمرار قوة الذهب بثلاثة عوامل رئيسية:
- ضعف بيانات التوظيف الأمريكية الصادرة عن مؤسسة معالجة بيانات الرواتب.
- تصاعد الشكوك حول استدامة النمو الاقتصادي الأمريكي خلال النصف الثاني من عام 2026.
- ارتفاع الطلب التحوطي من المؤسسات المالية الدولية والبنوك المركزية في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بالعجز المالي الأمريكي.
أثر السياسة المالية الأمريكية
لا يزال العجز المالي للحكومة الأمريكية عند مستويات مرتفعة تاريخياً مقارنة بمتوسط العقد السابق، وهو ما يدفع المستثمرين المؤسسيين إلى إعادة تقييم المخاطر السيادية طويلة الأجل.
وتتمثل أبرز النتائج في:
- زيادة الحاجة إلى إصدارات دين حكومي جديدة.
- استمرار الضغوط على منحنى عوائد السندات الأمريكية.
- ارتفاع جاذبية الأصول التي لا ترتبط مباشرة بالمخاطر الائتمانية السيادية.
- تعزيز مكانة الذهب كأداة تحوط طويلة الأجل.
تحليل ترابط الأصول المالية
العلاقة بين الذهب والعوائد الحقيقية
ما زالت العلاقة التقليدية بين الذهب والعوائد الحقيقية قائمة:
- ارتفاع العوائد الحقيقية يؤدي عادة إلى ضغوط هبوطية على الذهب.
- انخفاض العوائد الحقيقية يوفر دعماً قوياً لأسعار الذهب.
وخلال يونيو 2026 تعرض الذهب لضغوط بيعية كبيرة نتيجة ارتفاع عوائد السندات الأمريكية، مسجلاً أكبر تراجع فصلي منذ عام 2013.
لكن صدور بيانات توظيف أضعف من المتوقع دفع الأسواق إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية، مما ساهم في:
- توقف موجة صعود العوائد مؤقتاً.
- عودة التدفقات الاستثمارية نحو الذهب.
- استقرار الأسعار فوق مستوى 4100 دولار للأونصة.
تأثير الدولار الأمريكي
يتحرك مؤشر الدولار الأمريكي قرب مستوى 101 نقطة، وهو مستوى لا يعكس ضعفاً حاداً للعملة الأمريكية، إلا أن التراجع الأخير وفر دعماً إضافياً للذهب عبر:
- خفض تكلفة الشراء للمستثمرين خارج الولايات المتحدة.
- تحسين جاذبية المعدن النفيس في الأسواق الدولية.
أداء العملات الرئيسية
اليورو
- استفاد من تراجع الدولار.
- تحسن الإقبال على الأصول الأوروبية عالية المخاطر.
الين الياباني
- حقق مكاسب ملحوظة.
- مدعوم بتوقعات تدخل السلطات اليابانية في سوق الصرف.
الجنيه الإسترليني
- استفاد من ضعف الدولار الأمريكي.
- تحسن تدفقات الاستثمار نحو الأصول المقومة بالجنيه.
جدول المقارنة الكمية بين الأصول الرئيسية
| الأصل | الاتجاه الحالي | العامل المؤثر الرئيسي | التأثير المتوقع |
|---|---|---|---|
| الذهب | صاعد | ضعف بيانات التوظيف وتراجع العوائد | إيجابي |
| النفط | هابط | انخفاض المخاطر الجيوسياسية | سلبي |
| الدولار الأمريكي | مستقر مائل للهبوط | إعادة تسعير السياسة النقدية | سلبي للعملة |
| السندات الأمريكية طويلة الأجل | استقرار نسبي | توقعات تباطؤ الاقتصاد | محايد |
| اليورو | صاعد | ضعف الدولار | إيجابي |
| الين الياباني | صاعد | توقعات التدخل الرسمي | إيجابي |
| الجنيه الإسترليني | صاعد | تراجع الدولار | إيجابي |
السياسة النقدية الأمريكية
موقف الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي
حتى تاريخ إعداد هذا التحليل، لا توجد تصريحات حاسمة جديدة من جيروم باول تشير إلى تغيير جوهري في التوجه العام للسياسة النقدية.
وتتركز متابعة الأسواق حالياً على:
- تقرير الوظائف غير الزراعية.
- تطورات التضخم الأساسي.
- اتجاه الأجور الحقيقية.
- مؤشرات النشاط الاقتصادي خلال الربع الثالث.
انعكاسات السياسة النقدية على الأسواق
تشير حركة الأسواق إلى انخفاض نسبي في احتمالات استمرار سياسة الفائدة المرتفعة لفترة طويلة مقارنة بما كان سائداً في منتصف يونيو.
وقد انعكس ذلك في:
- استقرار نسبي لعوائد السندات طويلة الأجل.
- تراجع محدود للدولار الأمريكي.
- تجدد الطلب الاستثماري على الذهب.
التحليل الفني للذهب
مستويات نقطة الارتكاز والدعم والمقاومة
استناداً إلى التداولات الحالية قرب مستوى 4129.56 دولار للأونصة:
| المستوى | السعر (دولار) |
|---|---|
| المقاومة الثالثة | 4260 |
| المقاومة الثانية | 4220 |
| المقاومة الأولى | 4175 |
| نقطة الارتكاز الرئيسية | 4120 |
| الدعم الأول | 4075 |
| الدعم الثاني | 4020 |
| الدعم الثالث | 3950 |
القراءة الفنية
- التداول فوق نقطة الارتكاز الرئيسية يدعم استمرار الاتجاه الصاعد على المدى القصير.
- اختراق مستوى 4175 دولاراً قد يدفع الأسعار نحو 4220 دولاراً.
- تجاوز مستوى 4220 دولاراً يفتح المجال لاختبار 4260 دولاراً.
- كسر مستوى 4075 دولاراً يعزز احتمالات التراجع نحو 4020 دولاراً.
- فقدان مستوى 4020 دولاراً قد يعيد الزخم البيعي باتجاه 3950 دولاراً.
السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الإيجابي
الشروط
- صدور بيانات توظيف أضعف من المتوقع.
- انخفاض العوائد الأمريكية.
- استمرار تراجع الدولار.
النتيجة المتوقعة
نطاق مستهدف للذهب بين:
4200 – 4300 دولار للأونصة
السيناريو المحايد
الشروط
- استمرار التباين في البيانات الاقتصادية.
- محافظة الاحتياطي الفيدرالي على موقفه الحالي.
النتيجة المتوقعة
تحرك الذهب ضمن نطاق:
4000 – 4200 دولار للأونصة
السيناريو السلبي
الشروط
- ارتفاع عوائد السندات الأمريكية فوق 4.7%.
- صدور بيانات توظيف وتضخم أقوى من المتوقع.
النتيجة المتوقعة
إعادة اختبار مستويات:
3900 – 4000 دولار للأونصة
التقييم النقدي المحايد
من منظور التحليل المؤسسي، تواجه سوق الذهب خلال يوليو 2026 تحدياً تفسيرياً يتمثل في تعارض بعض المؤشرات الأساسية قصيرة الأجل مع الفرضيات الاستراتيجية طويلة الأجل.
فمن جهة، تدعم عدة نماذج استثمارية استمرار الطلب المؤسسي والبنكي على الذهب باعتباره أداة تحوط استراتيجية ضد المخاطر المالية والسيادية. ومن جهة أخرى، تعتمد بعض هذه النماذج على افتراضات طويلة المدى يصعب التحقق من صحتها بشكل فوري أو قياسها بصورة مباشرة.
كما تميل بعض التقارير الصادرة عن مؤسسات مصرفية واستثمارية دولية إلى اعتبار مشتريات البنوك المركزية محركاً هيكلياً دائماً للأسعار، في حين تقدم معالجة أقل تفصيلاً لاحتمالات تراجع هذا الطلب إذا شهدت العوائد الحقيقية استقراراً مستداماً أو تحسناً في الأوضاع المالية الأمريكية.
وبناءً على ذلك، تبقى درجة الثقة في التوقعات بعيدة المدى أقل من درجة الثقة في المؤشرات القابلة للقياس المباشر، مثل:
- العوائد الحقيقية للسندات.
- أداء الدولار الأمريكي.
- بيانات التوظيف.
- معدلات التضخم الأساسية.
وعليه، فإن مراقبة هذه المتغيرات تظل العامل الأكثر أهمية في تقييم الاتجاه المستقبلي للذهب خلال النصف الثاني من عام 2026، ضمن سياق أوسع يرتبط بتطورات الاقتصاد العالمي والسياسات النقدية والمالية الدولية.

