يشهد المشهد المالي العالمي تحولاً جذرياً غير مسبوق. وفقاً لأحدث تقارير Kobeissi Letter، فقدت أسواق الأسهم ما يقارب 800 مليار دولار من قيمتها السوقية وسط مخاوف متصاعدة من أن الذكاء الاصطناعي سيُآكل هوامش الربح في القطاعات التقليدية. وبينما يُبشّر التقرير بما يصفه بأعظم توسع إنتاجي في التاريخ—والذي أطلق عليه “الناتج المحلي للوفرة”—يرصد فريقنا البحثي في دهبنا مفارقة لافتة: هذه الثورة الرقمية تخلق في الوقت ذاته ظروفاً ترفع من الأهمية الاستراتيجية للذهب بطرق لم يتوقعها كثيرون.
سَلْعَنة الإدراك ونهضة الأصول المادية
يطرح تقرير Kobeissi مفهوماً جوهرياً: الذكاء الاصطناعي يقوم بـ”سَلْعَنة الإدراك” بالطريقة ذاتها التي سَلْعَنَ بها الإنترنت التوزيع، وسَلْعَنَت بها الحواسيب الشخصية قدرات المعالجة.
ماذا يعني ذلك للأصول الملموسة؟
حين تصبح الخدمات المعرفية—الاستشارات القانونية، التخطيط المالي، تطوير البرمجيات—وفيرة ورخيصة بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي، يتجه رأس المال بشكل طبيعي نحو الندرة المطلقة. والذهب، بوصفه أصلاً مادياً لا يمكن توليده خوارزمياً أو نسخه رقمياً، يبرز كمعيار نهائي للقيمة المستقرة في عصر يواجه فيه العمل الذهني ضغوطاً انكماشية.
| فئة الأصول | تأثير الذكاء الاصطناعي | حالة الندرة |
|---|---|---|
| الخدمات المعرفية | سَلْعَنة متسارعة | قيمة متراجعة |
| الأصول الرقمية | قابلة للنسخ اللانهائي | متغيرة |
| الذهب المادي | إنتاج محدود | ندرة مطلقة |
هذا التمييز الجوهري يضع الذهب في موقع فريد ضمن نقاشات أساسيات الذهب المعاصرة.
الذهب في ظل “الناتج المحلي للوفرة”: التحوط من الانكماش
يطرح التقرير فرضية أن الإنتاجية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي قد تُخفّض تكاليف المعيشة بوتيرة أسرع من انخفاض الدخول، مما يرفع القوة الشرائية الحقيقية للأسر—ظاهرة أُطلق عليها “الوفرة الانكماشية”.
يترتب على ذلك نتيجتان جوهريتان:
أولاً، الفوائض المالية الضخمة المتولدة خلال عصر الوفرة تحتاج أوعية تخزين آمنة. ومع تآكل هوامش قطاع التكنولوجيا، يبحث المستثمرون عن بدائل بعيدة عن تقلبات الأسهم.
ثانياً، تتسارع أزمة الثقة. فكما حذّر راي داليو سابقاً، وكما يشير النقاش حول انهيار نماذج SaaS في التقرير، تنتقل الثقة بعيداً عن الشركات المعتمدة على “الوعود الورقية” والأرباح المستقبلية المهددة، نحو أصول تملك قيمة جوهرية ذاتية.
الأبعاد الجيوسياسية: وفرة أم صراع المرحلة السادسة؟
يقدم تقرير Kobeissi أطروحة متفائلة: الوفرة تُنهي الحروب لأن الصراعات التاريخية نشأت من ندرة الطاقة والغذاء والتكنولوجيا.
رؤيتنا تختلف. هذا التفاؤل يصطدم مباشرة بإطار “المرحلة السادسة” لداليو. فحتى لو وفّر الذكاء الاصطناعي موارد هائلة، تتصاعد “حرب رأس المال”—تجميد الأصول، العقوبات التقنية، الإقصاء من أنظمة الدفع—مما يُعزز حاجة الدول للذهب المادي الذي لا يمكن:
- تعطيله برمجياً
- حجبه خوارزمياً
- تجميده بقرار أجنبي
البنوك المركزية تدرك هذه الحقيقة تماماً. تسارع مشترياتها من الذهب لا يعكس حنيناً للماضي، بل استعداداً استراتيجياً لأنظمة نقدية مُجزّأة.
الانعكاسات الاستثمارية للمحافظ الحكيمة
التحول الهيكلي الموصوف في تساؤل “هل سينهي الذكاء الاصطناعي العالم؟” قادم سواء تقبلناه أو قاومناه. وبينما تواجه الشركات الكبرى ضغط الهوامش، يدرك المستثمرون الحصيفون مبدأً خالداً: الندرة المادية تستحوذ على علاوة سعرية حين تسود الوفرة الذهنية.
المحفظة المتوازنة التي يدعو إليها داليو—تقليدياً 30% أسهم، 20% ذهب—تكتسب أهمية متجددة. الأسهم تلتقط مكاسب الإنتاجية؛ والذهب يحمي من فوضى المرحلة الانتقالية وتآكل القيمة الورقية.
ولمن يبنون مراكز طويلة الأجل، يصبح فهم أساليب العناية بالمجوهرات والتوثيق بالغ الأهمية كتوقيت السوق تماماً.
الخلاصة
تخلق ثورة الذكاء الاصطناعي مفارقة عميقة في تقييم الأصول. فمع سَلْعَنة الخدمات الإدراكية ووفرتها الرقمية، تكتسب الندرة المادية—المتجسدة في الذهب—علاوة استراتيجية. سواء تحقق “الناتج المحلي للوفرة” كما هو متوقع أو تصاعدت الاحتكاكات الجيوسياسية، يبقى الذهب الثابت الوحيد في معادلة التغيير المتسارع.
التكيّف يفصل بين الأزمة والفرصة. تواصل أبحاثنا استكشاف هذه الديناميكيات ضمن تغطيتنا لسوق الذهب.



